الملتقى الرسمي للجمعية السعودية لعلم الاجتماع و الخدمة الاجتماعية كلمة الإدارة

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: (أبناء الشؤون): نعاني الأمرين في التربية النموذجية (آخر رد :احمد الشريف)       :: ليست لقيطة بل لقطة (آخر رد :احمد الشريف)       :: الأيتام بين هدي الإسلام وظُلم المجتمع (آخر رد :احمد الشريف)       :: كفالة اليتيم ثورة بحد ذاتها (آخر رد :احمد الشريف)       :: تحديث لائحة «الأيتام» بعد 40 سنة (آخر رد :احمد الشريف)       :: دورات الأمن و السلامة المهنية ودورات البيئة وسلامة الاغذية(مركز الخليج) (آخر رد :باسم عز الدين)       :: دورات إدارة الجودة والانتاج ودورات هندسة الجودة(مركز الخليج) (آخر رد :باسم عز الدين)       :: دورات السكرتارية وإدارة المكاتب ودورات الادارة العامة(مركز الخليج) (آخر رد :باسم عز الدين)       :: دورات ادارة الموارد البشرية ودورات الإدارة والقيادة والتطوير الذاتي(مركز الخليج) (آخر رد :باسم عز الدين)       :: القحطاني للسيارات (آخر رد :محمود سلطان)      

 
العودة   ملتقى الاجتماعيين > الملتقيات المتخصصة بالاجتماعيين > ملتقى بن خلدون لعلم الإجتماع
التسجيل اجعل كافة الأقسام مقروءة
 

الإهداءات

العصبية عند ابن خلدون

ملتقى بن خلدون لعلم الإجتماع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-05-2008, 12:39 AM   رقم المشاركة : 1
فيصل المحارب
محاضر بجامعة الإمام قسم الاجتماع وإداري سابق
 
الصورة الرمزية فيصل المحارب








My SMS :

 

آخـر مواضيعي
افتراضي العصبية عند ابن خلدون

يرى ابن خلدون أن العصبية هي المحرك للتاريخ الاجتماعي للمجتمعات ، وهي وراء عملية التغير الاجتماعي بشكل عام ، منطلقا في تفكيره من مبدأ العلاقات الجدلية بين العمران البدوي والعمران الحضري ، مفسرا نشأة الدول وانحلالها بناء على آلية العصبية ، فهي التي تؤدي إلى الملك ، وهي نفسها التي تؤدي إلى زواله ، ونعتقد أن نظريته هذه لا تقل في الأهمية عن اكتشافه لعلم العمران البشري والاجتماع الإنساني (علم الاجتماع).

وهو يرى أن العصبية ظاهرة اجتماعية ملتحمة بالعمران البدوي على الخصوص ، وتظهر بشكل أقل حدة في العمران الحضري ، وهي تحمل معنى وظيفيا ، نظرا لما يترتب عليها من آثار في قيام الدول وانهيارها في العمران الحضري ، وتنظيم حياة الأفراد في العمران البدوي ، وهي الوعاء الذي يحفظ حياة المجتمع الإنساني وأساس بقائه وصيرورته ، أي إن لها وظائف اجتماعية وسياسية مهمة في المجتمع بدويا كان أم حضريا.

ولا شك أن نظرة ابن خلدون للعصبية ووظيفتها الاجتماعية والسياسية ، كانت مشتقة من بيئته الخاصة ، وهي بيئة كانت الصلة فيها قوية بين الحياة البدوية بمجتمعاتها القبلي من جهة ، والحياة الحضرية بمجتمعها السياسي من جهة أخرى ، وكان التأثير قويا ومستمرا بينهما ، إلا أن طابع الحياة القبلية غالبا كان هو المسيطر ، حيث كانت الدول تقوم وتنهار من جراء تآلب القبائل أو تشتتها.

والعصبية أو العصبة التي يقصدها ابن خلدون لا تعني مطلق الجماعة وإنما الأفراد الذين تجمع بينهم رابطة الدم أو رابطة الحلف أو الولاء بالإضافة إلى شرط الملازمة بينهم من أجل أن يتم التفاعل الاجتماعي ، وتبقى مستمرة ومتفرعة بوجود هؤلاء الأفراد واستمرار تناسلهم ، فينشأ بين أفرادها شعور يؤدي إلى المحاماة والمدافعة وهم يتعصبون لبعضهم حينما يكون هناك داع للتعصب ، ويشعر الفرد بأنه جزء لا يتجزأ من أهل عصبته ، وفي هذه الحالة يفقد شخصيته الفردية بحيث تذوب في شخصية الجماعة ، وهو شعور جماعي مشترك لدى أفراد العصبة فهو ذو صبغة جمعية أساسية بين الفرد والمجموعة ، وليس بين فرد وآخر فقط ، وفي حال تعرض العصبة إلى عدوان فيظهر في هذه الحالة "الوعي" بالعصبية ، وهذا " الوعي العصبي " هو الذي يشد أفراد العصبة إلى بعضهم وهو ما يسميه ابن خلدون " بالعصبية " التي بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه .

فهي القوة الجماعية التي تمنح القدرة على المواجهة والمطالبة ، ومن أهم ميزات هذه الرابطة " العصبية " أنها ليست علاقة محصورة بين فرد وآخر داخل العصبة ، وإنما هي رابطة بين الفرد والمجموعة في وحدة متكاملة ، فالفرد حينما يتعصب لعصبته فإنما يتعصب لنفسه ، وكذلك العصبة حينما تناصر أحد أفرادها فإنما هي في الحقيقة تناصر نفسها ، أي أن هناك تضامنا متبادلا بين الفرد وعصبته في الداخل والخارج ، فيكون مجال التواصل بين الفرد وغيره محدودا بحدود عصبته. فهي تمارس ضغطا على الأفراد من أجل الخضوع لها ، فهي بهذا تضمن التماسك بين أعضائها ، وفي هذا سر قوتها ، بالإضافة إلى أن التضامن المتبادل بين الفرد ومجموعته لا يسمح بقيام فوارق أو درجات للاستغلال داخل العصبة بين الأفراد ، وإنما قد يكون الامتياز الوحيد الذي يحظى به الفرد داخل العصبة ، هو ذلك الاعتبار في كونه قد قدم خدمات لصالح العصبة مجتمعة ، بمعنى أن الامتياز يرتبط في درجته بقدر تقديم خدمة لأهل عصبيته لا بما يحصل عليه الفرد منها ، ومهما يكن الأمر ، فإن الأساس الذي يبنى عليه الاعتبار هو مدى خدمة الفرد للمجموعة لا ما يحققه من منافع لنفسه .

وتتضامن العصبة مع الفرد بقدر تضامنه معها واحترامه لمصالحها ، وإذا تسبب في الضرر لها سرعان ما تنبذه ، فيفقد الحماية والتعاون والتعاضد ، الأمر الذي يضطره إلى أن ينضم إلى عصبة أخرى ، لأنه لا يستطيع العيش في مجتمع قبلي قائم على العصائب ، وهذا ما حدا به إلى القول إن من ضرورات العصبة التلازم بين أفرادها ، وفي إطار المجتمع القبلي فإن الفرد لا يجد حريته ومنعته وقوته إلا داخل العصبة ، فهي الحقل الذي يمارس فيه الفرد نشاطه الاجتماعي ، فضلا عن كونها القوة الجماعية التي تمنح الفرد القدرة على المواجهة.

يرى ابن خلدون أن للعصبية مفهوما سوسيولوجيا متميزا فقد اعتبرها ظاهرة اجتماعية بالإضافة إلى كونها ظاهرة طبيعية في المجتمع الإنساني ملازمة لوجود العصبية ، ملازمة العوارض الذاتية ، أي إن وجود العصبة يستدعي وجود العصبية ، فالعصبية موجودة فيها " بالقوة " وتصبح موجودة " بالفعل " حين وقوع عدوان على أهل العصبة ، ووظيفة العصبية يلخصها ابن خلدون من الناحية العامة بجملة ذات دلالة مهمة قائلا : " إن العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه " .

ويرى ابن خلدون أن وظيفة العصبية تنشأ في مبدأين أساسيين :
المبدأ الأول : ضرورة التجمع الإنساني ، أي ضرورة أن يعيش الأفراد داخل مجتمع انطلاقا من شعور كل فرد بضرورة تعاونه مع الآخرين من بني جنسه من أجل قضاء الحاجات الضرورية لبقائه ، لأنه عاجز واقعيا عن القيام بقضاء كل حاجاته منفردا ، وقد قال بهذه الضرورة مفكرون عديدون قبل ابن خلدون منهم الغزالي والفارابي ، وأرسطو على سبيل المثال ، وقد أقر ابن خلدون بذلك معتبرا العصبية ظاهرة طبيعية من ظواهر الاجتماع الإنساني .

المبدأ الثاني : ضرورة وجود الوازع لأن الشر أو العدوان أمر طبيعي متأصل في النفس البشرية ، باعتبار الإنسان مجبولا على الخير والشر معا ، على التعاون والعدوان ، فقيام الحياة الاجتماعية يتطلب ضرورة وجود وازع ، والوازع عند ابن خلدون هو الحاكم وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم ، بمعنى وجود سلطة تحفظ للمجتمع تماسكه وتعمل على تقوية التعاون بين أفراده وكبح عدوان بعضهم على بعض ، ويقول ابن خلدون " واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم ، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم".

ويرى ابن خلدون أن الوظائف الاجتماعية للعصبية هي:

1- تؤدي إلى تنظيم علاقات القبيلة في الداخل والخارج ، أي بين أفراد القبيلة الواحدة من جهة ، وبين أفراد القبيلة والقبائل الأخرى من جهة ثانية ، أي أنها تكون الإطار التنظيمي لأهل العصبيات ، فتتأطر بموجبها العلاقات الاجتماعية كافة .

2- تؤدي العصبية إلى التعاون بين أهل العصبية الواحدة من جهة ، وأهل العصبيات المتحالفة من جهة أخرى ، ويبدو ذلك في دفع العدوان ، أو القيام به ، من أجل تحقيق مصلحة مشتركة ، أي أنها الوسيلة الوحيدة لهذا التعاون ، لعدم توافر أية وسيلة أخرى في ظل الأوضاع السائدة في المجتمع القبلي .

3- تؤدي إلى حفظ كيان القبيلة ، أي كيان المجتمع القبلي بالمحافظة على بنائه الاجتماعي من خلال التضامن ، والتكتل ، ومجابهة الصراع الذي هو صراع وجود ، نظرا لقساوة الظروف الطبيعية ، وضآلة الإنتاج ، فيصبح الصراع أمرا طبيعيا من أجل حفظ كيان القبيلة من الانقراض والذوبان ، أي أنها تحفظ استقلالية المجتمع القبلي في نهاية الأمر.

4- تحافظ العصبية على شجرة النسب من خلال التلاحم العصبي الذي يكون أقوى في النسب القريب منه في النسب البعيد ، رغم تأكيد ابن خلدون على أن النسب أمر "وهمي" لكنه مع ذلك يعتبر حقيقة واقعة في المجتمع القبلي.

5- تقوم العصبية باعتبارها أساس التطور الاجتماعي بتدعيم المساواة بين أفرادها في الحقوق والواجبات ، وإلغاء التمايز الطبقي من حيث المبدأ العام ، وإن وجد تمايز في المكان الاجتماعية ، إنما يعود ذلك لما يقدمه الفرد نحو أهله أكثر من غيره ، فهي تدعم " الغيرية " على حساب " الذاتية " أي ذوبان الأنا في سبيل الأناء العصبي . وبموجبها يتأطر سلم القيم من شجاعة ، وكرم ، وخلال حميدة ، أي أنها تسير أخلاق المجتمع القبلي في نهاية الأمر ، وتكون ناجحة إذا عملت على إحلال العلاقات التعاونية والتضامنية محل العلاقات التنافسية بين أهل العصبية.

ـ يرى ابن خلدون أن للعصبية وظيفة سياسية ، وهي الوصول إلى الملك والاحتفاظ به ، أي بناء الدولة ، وهي وظيفة تلتقي اليوم مع وظيفة الأحزاب السياسية التي جوهر عملها وهدفها الوصول إلى السلطة ، ويقرر ابن خلدون " أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك " مبينا سبب ذلك " أن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع يحكم بعضهم عن بعض ، فلابد أن يكون متغلبا عليهم بتلك العصبية ، فالتغلب الملكي غاية العصبية .

ويرى أن وظيفة العصبية تتمثل في صد العدوان ، لأن الطبيعة الإنسانية تنزع إلى العدوان بالفطرة لذا كان لابد من وازع أي حاكم ، ولا شك أن مسألة الوازع قد أولاها ابن خلدون اهتماما كبيرا ، انطلاقا من نظريته المتكاملة عن العصبية ، إذ ينظر إلى الوازع نظرة ثنائية انسجاما مع تقسيمه للعمران البشري إلى نوعين : العمران البدوي ، والعمران الحضري ، ولكل منهما وازع خاص لصد العدوان ، فهو يرى أن أحياء البدو معرضة إلى نوعين من العدوان :

1. العدوان الداخلي : ومصدره من داخل القبيلة ، أي اعتداء أفرادها على بعضهم ، فالوازع لهذا العدوان يكون من قبل أكابرهم ومشايخهم ، لما لهم من الوقار والاحترام عند قومهم ، وهذا نابع من مكانتهم المميزة لدى قومهم.

2. العدوان الخارجي : ومصدره من خارج القبيلة كالغزو أو ما في معناه ، فالوازع لهذا العدوان يكون من قبل شجعان القبيلة ، وأما حللهم فيذود عنها حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة.

أي أن السلطة ـ الحكم ـ لا يكون إلا بالعصبية ، غير أن ابن خلدون يوضح بأن السلطة لا تكون إلا للعصبية القوية من أجل التغلب على العصائب الأخرى لكي تلتحم معها فتشكل في النهاية عصبية واحدة كبرى ـ عصبية مركبة ـ وإذا لم تتوافر لها مثل هذه القوة القاهرة ، فإنها لن تصل إلى السلطة " فلا بد من عصبية تكون أقوى من جميعها تغلبها وتستتبعها وتلتحم جميع العصبيات فيها ، وتصير كأنها عصبية واحدة كبرى ، وإلا وقع الافتراق المفضي إلى الاختلاف والتنازع.

ويرى ابن خلدون أن العصبية الحاكمة لا تبقى قوية ، وإنما تنتهي ، وتقوم على أنقاضها عصبية أخرى قوية ، وهذه بدورها تضعف وتقوم مقامها أخرى وهكذا دواليك ، أي أن العصبية لا تبقى على قوتها الأولى ، وإنما يعتريها الوهن الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الدولة ، وبزوالها تزول الدولة .

ويعلل ابن خلدون ضعف الدولة ثم زوالها بضعف عصبيتها ـ أي العصبية الحاكمة ـ وذلك باستبعاد أهل العصبية والانفراد بالمجد والانغماس في الترف والنعيم مما يؤذن بزوالها ، ويقرر ذلك " فلا يزال الملك ملجأ في الأمة إلى أن تنكسر سورة العصبية منها أو يفنى سائر عشائرها " .

ويرجع أسباب ضعف الدولة التي هي أسباب ضعف العصبية إلى ما يلي :

1. سعة الملك مع عدم توافر العدد الكافي من أهل العصبية لتسيير دفة الحكم ، الأمر الذي يضعف سيطرة المركز على الأطراف ، فيستعين من أجل ذلك بقوم من خارج أهل عصبته .

2. التناصر والاختلاف على الحكم بين أهل العصبة ، فيأخذ الحاكم بالانفراد بالمجد ، والتنكر لقومه ، مما يؤدي إلى ضعف عصبيتهم ، لأن العصبية في هذه الحالة لم تحقق شرط قوتها ، وهو المصلحة العامة المشتركة ، والتلازم بين أهل العصبة الواحدة ، مما يؤدي إلى ظهور عصبات مطالبة بالحكم ، مما يحول دون استقرار الدولة .

3. انغماس الحاكم في الملذات والترف والتبذير ، والركون إلى الدعة من العوامل التي تؤذن بفساد العصبية ، ويقعدها عن تأدية وظيفتها ، حيث يعتقد ابن خلدون أن ذلك ينسيهم حالة " التوحش " الذي يعتبره من المقومات الأساسية من أجل انبثاق العصبية القوية.

4. وجود عصبية مناهضة أقوى من العصبية الحاكمة تقوم بالمطالبة بالملك ، وإلا فإن الضعف قد يطول ، وحين تدخل الدولة في مرحلة الهرم ، تعمل الظروف المصاحبة لهرم الدولة على إيقاظ الوعي العصبي لدى أهل العصبات المضطهدة ، انطلاقا من وعيهم للضغط الاقتصادي الذي يهدد كيانهم ، فتتوحد عصبياتهم في عصبية واحدة ثائرة.

ـ وقد اعتبر ابن خلدون العصبية ضرورة طبيعية لتكوين العمران البشري وبدونها يتعذر قيام هذا العمران لأسباب اجتماعية ـ اقتصادية ، وقد اعتبرها علة التغير الاجتماعي في المجتمع مبينا وظيفتها الاجتماعية في حفظ كيان المجتمع وتماسكه ، وهي الأساس الوحيد لقيام التحالف بين القبائل وتوحدها بالإضافة إلى تدعيم المساواة بين أفرادها مما يفسر لنا عدم نشأة التمايز الطبقي في العمران البدوي.

كما أنها تؤدي إلى نشأة الملك " الدولة " وقوته ، ويضعفها الملك ويزول ، فوظيفتها السياسية تنحصر في تحقيق الملك والاحتفاظ به (كالأحزاب السياسية اليوم) بعد أن يتم لها التغلب على العصبيات الأخرى ، ويؤكد ابن خلدون أن المجتمع لا يستقيم إلا بوجود دولة ، وبذلك تكون الدولة ضرورة فرضها واقع المجتمع الإنساني ، وهذه الدولة لن تحصل إلا عن طريق العصبية أي عن طريق القوة وبذلك يكون قد سبق أصحاب نظرية القوة في نشوء الدولة ، وتأكيده على أن الصراع العصبي مقابل الصراع الطبقي عند المادية التاريخية هو المحرك للمجتمعات ، وبذلك يكون قد صاغ نظرية جديدة مفسرة للتغير الاجتماعي ألا وهي نظرية الصراع العصبي ، وقد اعتبر الحضارة نهاية العمران أي نهاية الانفكاك العصبي.







  رد مع اقتباس
قديم 06-05-2008, 03:41 PM   رقم المشاركة : 2
مساعد الطيار
ابو مشعل
 
الصورة الرمزية مساعد الطيار







My SMS :

أحسن الظن بالله تنل خيراً كثيراً

 

آخـر مواضيعي
افتراضي



أخي الحبيب

فيصل

جعلك الله فيصلاً للحق

أمتعتنا بمقالك الرائع والذي أعادني للوراء عشرين سنة لكتاب بن خلدون ومقدمته والتي أصبحت في طي النسيان ـ للأسف ـ ولكن بتواجدكم وتواجد أمثالكم نعود لمقاعد الطلاب لنطلب العلم منكم ونستعيد علماً أضعناه بأيدينا


بارك الله فيك







  رد مع اقتباس
قديم 06-05-2008, 07:28 PM   رقم المشاركة : 3
أحمد بن ناصر آل مقبل
عضــو







My SMS :

 

آخـر مواضيعي
افتراضي العصبية في فكر ابن خلدون

مع الشكر للاخ فيصل المحارب

مقدمة : بما انه كان لي السبق في اختيار الموضوع من مقدمة ابن خلدون , وبما أنها كانت لي المبادرة في التقديم لأول موضوع يطرح داخل القاعة فقد رأيت أن تكون هناك نبذة بسيطة ومختصرة عن حياة ابن خلدون والتعريف به وربط هذه المقدمة بموضوع العصبية ما أمكن ذلك .

عبدالرحمن ابن خلدون :
أبو زيد، عبد الرحمن ابن خلدون ذلك العالم المسلم العربي العبقري الفذ، كيف لا وقد اعتبره علماء الاجتماع المحدثون أستاذهم ومؤسس علمهم , ويعتبر عبد الرحمن ابن خلدون من الشخصيات الإسلامية الفذة ، وهو مغربي الميلاد والنشأة والثقافة ، فقد ولد في تونس سنة 732هـ (1332م)، وأقام في المغرب حتى عام 784هـ ، حيث انتقل إلى مصر ، ومكث بها ما يناهز ربع قرن ( 784 -808هـ)، حيث توفي ودفن في مقابرها سنة 1406م.

لقد كانت شخصية ابن خلدون ولا تزال جذابة من كل جوانبها ، ولكن جانبيْن اثنيْن منها قد جذبا أنظار القدامى والمحدثين من الباحثين ، وهما الجانب الفكري والثقافي ، والجانب السياسي. وتتميز نظرياته بأنَّها مستقاة من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، فهذا المؤرخ العلامة حفظ أول ما حفظ القرآن الكريم ثُمَّ الحديث النبوي الشريف ، ودرس التفسير والفقه ، واللغة العربية والأدب، ثُمَّ غاص في أعماق معاني القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ، واستقى منهما نظرياته في العمران ، والدولة والاقتصاد ، والتاريخ ، والتربية ، وعلم الاجتماع.
إن الاهتمام الذي يحظى به ابن خلدون في العالم اجمع والتقدير الكبير الذي يتمتع به لدى عدد كثير من العلماء المؤرخين وعلماء الاجتماع منذ أكثر من قرن يمكن اعتبارهما برهانا كافيا على شهرته الواسعة .

لقد قُدر لابن خلدون أن يعيش في خضم أحداث غيرت العالم الإسلامي فمن الناحية السياسية كان القرن الذي عاش فيه ابن خلدون قرناً تفككت فيه القوى السياسية الكبرى فالدولة العباسية أصبحت أثرا بعد عين والدولة الموحدية بدورها تلاشت واضمحلت , والحروب بين الدويلات و الامارات لا تهدأ , والضغط المسيحي في الأندلس وكذا في شواطئ أفريقيا يزداد تركيزاً, والمطالبة بالمُلك لم تعد تستند على أساس نظري أو ديني , وإنما على القوة فقط . وعلى الشوكة والأتباع , وبتعبير ابن خلدون على "العصبية " وحدها .

وإذن فالطابع العام الذي ساد على البلاد الإسلامية وبلاد المغرب العربي خاصة خلال هذا القرن هو الفوضى وعدم الاستقرار , وما ينتج عن ذلك من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
وفي تقديري أن العصبية عند ابن خلدون عاشت وأكلت وشربت معه كفكرة حتى بدا ذلك في كتاباته عنها , لقد عاش ابن خلدون في مجتمع وزمن ملئ بالتناقضات والأحداث السياسية العنيفة في عصر الدول الإسلامية المتصارعة , كل ذلك ألقى بضلاله على فكر ابن خلدون واحتكاكه المباشر مع السلطة والحكام وأهل الحل والعقد . وهذا لا يعني أبداً أن ابن خلدون كان بعيداً عن الموضوعية بل إن هذا الأمر يٌعد موضوعاً هاماً وحيوياً وجديراً أن يكون محل الدراسة .

لقد افرد ابن خلدون عدة فصول تحدث غيها عن العصبية فمنها :فصل في أن سكنى البدو لا يكون إلا للقبائل أهل العصبية .
فصل في العصبية أنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه.
فصل في أن الرئاسة لا تزال في نصابها المخصوص من أهل العصبية .
فصل في إن الرئاسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم .
فصل في أن البيت والشرف بالا صالة والحقيقة لأهل العصبية يكون لغيرهم بالمجاز والشبة .
فصل في أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك .
فصل في أن الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من امة فلا بد من عودة إلى شعب آخر منها مادمت لهم عصبية .
فصل في أن الملك والدولة العامة إنما يحصلان بالقبيل والعصبية .
فصل في انه إذا استقرت الدولة وتمهدت فقد تستغني عن العصبية .
فصل في انه قد يحدث لبعض النصاب الملكي دولة تستغني عن العصبية .
فصل في أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها .
فصل في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم .
فصل في أن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة .(وهذا في نظري ليس بالضرورة ولا أدل على ذلك من توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز رحمة الله)







وبعد فسوف أتحدث عن عدة محاور رئيسة تكون هي بمثابة الخريطة الذهنية للجميع في الحوار والنقاش وهي :
أولاً : العصبية ومعناها في فكر ابن خلدون .

ثانيا ً : أهم النظريات والافكار المستقاة من فكر ابن خلدون في معنى العصبية والنظريات المعاصرة والمقارنة بينها.

ثالثاً : محاولة الإجابة على التساؤل التالي :

هل ما تبناه ابن خلدون ينطبق على مجتمعاتنا ؟ وهل بالإمكان الاستفادة منه ؟

أولاً : العصبية ومعناها في فكر ابن خلدون .

يقول ابن خلدون :

إن العصبية لا تظهر بشكل واضح وقوي إلا بين البدو وذلك لأنها تقوم على النسب .
إن الوظيفة الأساسية للعصبية تقوم للدفاع عن القبيلة ضد القبائل الأخرى ، وهي تقوم بالدور الذي تقوم به الأسوار والجند عند الحضر وهي ضرورة حياة لا يمكن العيش بدونها ، لذا يضطر رئيس البدو إلى مصانعة أتباعه ومداراتهم لئلا يختل عليه شأن عصبيته فيكون هلاكه وهلاكهم.
إن وظيفة العصبية كذلك تمتد إلى المطالبة بالرئاسة والملك ، إذا وجد صاحب العصبية لديه القدرة على ذلك .. و إذا بلغ رتبة طلب ما فوقها.

حياة الدول :ترتبط حياة الدول عند ابن خلدون بتطور أحوال الأسرة الحاكمة ، من حيث انتقالها من خشونة البداوة إلى رقة الحضارة ، ومن قوة العصبية وتغلبها إلى الضعف ، بأعمار ثلاثة أجيال .. وهذه بعض الإشارات :

أ ـ يقول ابن خلدون } إن بإمكان الدولة إذا طالت مدة حكمها ، أن تستغني عن العصبية لها من الصبغة في نفوس أهل أيالتها ، وهي صبغة الانقياد والتسليم منذ السنين الطويلة التي لا يعقل أحد من الأجيال مبدأها و لا أوليتها ، فلا يعقلون إلا التسليم لصاحب الدولة {

ب ـ أكد ابن خلدون أن طول عمر الدولة يتناسب مع قوة العصبية.(المقدمة)

إنَّ العصبية عند ابن خلدون لا تشمل أبناء الأسرة الواحدة الذين تربطهم بعضهم بالبعض الآخر صلة الرحم فحسب ، بل هي تتسع لتشمل أهل الولاء والحلف ، وفي مواقع أخرى نجد ابن خلدون يضم الرق والمرتزقة، وهم من يُطلق عليهم اسم (المصطنعين إلى العصبية)،أمَّا النسب فيعتبره أمر وهمي فائدته هو الترابط الذي يوجده ، وبهذا يكون معنى العصبية عند ابن خلدون مرادف لمفهوم العصبية ، وبهذا لم يخرج عن المفهوم الإسلامي الذي نبذ العصبية القبلية)زين العابدين,1424هـ)

إذن : فالعصبية حالة نفسية ذهنية تظهر في العلاقات والسلوك التي تتسم بها مجموعة من البشر في حالة البداوة وهي التي تأخذ بيدها إلى الملك والسلطة . لقد ادخل ابن خلدون في نطاق مفهوم العصبية الروابط الاجتماعية والظواهر التكاتفية والتناصرية , وبذلك أصبحت العصبية مفهوما اجتماعيا يتدخل في المجتمعات ويسيرها .
إن العصبية قوة طبيعية في بادئ الأمر لايعي مفهومها الفرد البشري وإنما يسلك سلوكاً يعززها ولا يمكنه معاكستها إلا إذا انسلخ منها , فلذلك تبدو وكأنها شيء تلقائي .
يبني ابن خلدون العصبية على أساس من الجماعة المتلاحمة المتماسكة التي تستشعر فيما بينها بالتعاطف والحمية المتبادلة والمبادرة إلى مناصرة أعضائها . والوصول إلى الحكم إنما يكون بالعصبية أي بالروح الجماعية والهدف المشترك لتحقيقه البغية . إن هذه الروح الجماعية التلقائية تركزت في أوج نشاطها في بداية الحركة التاريخية للدولة وغايتها هي الارتقاء إلى الملك .

أهمية العصبية في نظام ابن خلدون تجعله يقدمها على الدعوة الدينية نفسها , بل إن الدعوة الدينية تعتمد على العصبية . ويعقد لذلك فصلاً فيقول:} إن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم {.إن أية دعوة لا تعتمد على العصبية ستفشل وتنقرض , فإذا ذهب احد الناس هذا المذهب وكان فيه محقا قصر به الانفراد عن العصبية طاح في هوة الهلاك .


لقد تبن لنا أن العصبية هي المحور والمحرك الديناميكي للمجتمع وان كل انجاز وكل أمر عظيم إنما يعود إليها , لأنه هي القوة الحقيقية الكامنة في المجموعة البشرية للخلق والإبداع والبناء والارتقاء إلى الحرية . وبما أن العصبية هي قوة طبيعية حية وأساسية لبناء الدولة , فإن هذه الأخيرة تتفاعل مع العالم الخارجي وتخضع لقوانين ومراحل وأطوار شأن كل الكائنات الطبيعية .فللدولة أعمار طبيعية كالأشخاص كما يقول العلامة . فعمر الدولة بمثابة عمر الشخص من التزيد إلى سن الوقوف , ثم إلى سن الرجوع .

إن المعنى الخلدوني لا يجعل العصبية كرابطة اجتماعية وميل إلى تعاون الناس فيما بينهم والتعاضد مختزلة في النزعة الطبيعية فقط , وهي المقتصرة على النسب والقرابة فقد يكون منطلقها رابطة الدم من الأقرب : البيت والعشيرة إلى الأبعد : مجموعة القبائل والعشائر .لكن يتسع المعنى ليشمل المختلف من القبيلة الموسعة كالموالي والمصطنعين وحتى التشكل السياسي والأمة كرابطة في بعدها الروحي .
وهي إذا رابطة اجتماعية شبه طبيعية, لكنها أيضاً مصطنعة اجتماعياً وسياسياً لما تشمل أهل الولاء والحلف وقد يكون النسب أمراً وهمياً , لكن فائدته في الترابط الذي يوجده بحكم مقتضى المعاش في العمران والبدو ,فيما يستدعي النعرة السيكولوجية الجماعية الطبيعية هي نحلة البدو من المعاش من شظف وتقشف في العيش , بالمقدار الضروري من دون بلوغ الشهوات واللذات ودعاويها , فكانت العصبية ضرورية للاجتماع والعمران البدوي حيث يقول ابن خلدون } وذلك لما اختصوا به من نكد العيش وشظف الأحوال وسوء المواطن وحملتهم عليها الضرورة {.على هذا المعنى تبدو العصبية رابطة اجتماعية متعددة الأبعاد :الأنثروبو- ثقافية والاجتماعية / النفسية والسياسية / الاقتصادية فهي لازمة للقبيلة ناسجة التشكل الاجتماعي في العمران البدوي .(جمال شعبان وآخرون,2007).

غير أن ابن خلدون يركز على أن العصبية لا تتواجد في أغلب العالم الإسلامي، ويرى انه إذا استقرت الدولة وتمهدت فإنه قد تستغني عن العصبية (المقدمة).


إن الدولة إذا هي المحور الأساسي الذي تدور عليه أبحاث ابن خلدون ونظرياته , وليست العصبية , أو الصراع بين البدو والحضر ,كما يذهب إلى ذلك بعض الباحثين . نعم إن العصبية تحتل في نظرية ابن خلدون حول الدولة مكان حجر الزاوية ، وأرآءه فيها طريفة مبتكرة متماسكة تكاد تشكل نظرية قائمة بذاتها . ولكن مع ذلك فان العصبية عند ابن خلدون ليست غاية في ذاتها , وإنما هي (تجري) إلى غاية هي الملك . فالملك أو الدولة هي الغاية من البحث , والعصبية أداة للتفسير . – وأنا اتفق مع هذا الطرح -


أمثله

في فلسطين، العصبية الواحدة الكبرى التي كانت تجمع جميع الفلسطينيين قد انقسمت إلى عصبيتين احدهما علمانية متمثلة بالسلطة الفلسطينية وأخرى دينية متمثلة بحركتي حماس والجهاد الإسلامي . هذا كله احدث خللا داخليا في قلب العصبية الواحدة فتشتتت أهداف القوم وأهواؤهم وآراؤهم حتى كثر الانتفاض على الدولة والخروج عليها.

ولعل أحسن مثال على ما قاله ابن خلدون ما جرى مع دولة إسرائيل ومع السلطة الفلسطينية. فاليهودية قومية بقدر ما هي دين، ولعل رؤية الشعب اليهودي لهذه الحقيقة ودمجه لمفهوم اليهودية كقومية ولمفهوم اليهودية كدين وجعلهما وحدة واحدة غير قابلة للتجزئة، لعل ذلك من الأسباب التي ساعدت على قيام الدولة اليهودية وعلى استمرار كيانها. ولكن من الطرف الآخر نرى أن الانتفاضة الفلسطينية قامت في بدايتها على عصبية القومية ولكنها ما لبثت أن أضافت بعدا آخر للمقاومة ذلك البعد المتمثل بالعصبية الدينية. ولعل اندماج هاتين العصبيتين (تماما كما حصل مع الدولة اليهودية) هو الفتيل من وراء استمرار النضال والمقاومة الفلسطينيين رغم عدم تكافؤ القوى بين الطرفين.

ودعوني اضرب مثالا آخر بما تقدم بالأحداث التي حدثت في بلادنا عندما بدأت عمليات تفجير كان سببها الرئيس أحادية التفكير وذوبان شخصية الفرد في المنظمة والعكس صحيح .


ثانيا ً : أهم النظريات والأفكار المستقاة من فكر ابن خلدون في معنى العصبية والنظريات المعاصرة والمقارنة بينها.

• منطق النظرية / ينطلق ابن خلدون في دراسته للعصبية وبيان الأساس الذي تقوم عليه .والدور الذي تلعبه في الحياة الاجتماعية عموما حركة التاريخ خصوصاً .من فكرته في (الوازع) الذي جعله ضرورة من ضرورات الاجتماع والتعاون . ويقصد بالوازع السلطة المادية التي تتجسد في الدولة وأجهزتها الذي يعبر عنه المستشرق (أرين روزنتال)بالسلطة الرادعة.

• يصنف ابن خلدون العدوان إلى عدوان داخلي (الأفراد بعضهم على بعض )وعدوان خارجي (عدوان على المدينة كلها من الخارج) وهذا مهم جدا في فهم منطق نظريته في العصبية والدولة .
• إن ابن خلدون لا يعني بالعصبية من حيث هي رابطة اجتماعية تنظم علاقات الأفراد بعضهم إلى بعض من داخل القبيلة , بل ينظر إليها (فقط من حيث الدور الذي تقوم به في الدفاع عن الجماعة ) , أي باعتبارها تقوم في البادية بنفس الدور الذي تقوم به الحامية والأسوار في المدن .

• انه يعني بالعصبية, فقط من حيث أنها رابطة دفاع, أو قوة مواجهة, تنظم العلاقات الخارجية للمجموعات المتماسكة في البادية, علاقتها بعضها مع بعض, وعلاقتها مع الدولة. هذا هو المنطلق الأساسي لأبحاث ابن خلدون في العصبية .(الجابري , 2001)


• العَصَبَة والعصبية / لقد أدرك ابن خلدون إن العصبية لها مفهوم واسع وهو (الجماعة المعنوية ) لا المجتمع الحسي فقط. بل المجتمع المعنوي . انه بعبارة أخرى شعور الفرد بأنه جزء لا يتجزأ من العصبة التي ينتمي إليها , بل هو استعداد دائم في نفس الفرد يدفعه إلى تجسيم هذا الانتماء إلى العصبة بفناءه فيها فناءً كلياً . إن هذا التضامن هو ما تحدث عنه إميل دور كايم عندما أشار إلى قضية التضامن الآلي والتضامن العضوي . وعندما يتحدث ابن خلدون عن القوة الجماعية وأنها هي التي تمنح القدرة على المواجهة سواء كانت المواجهة مطالبة أو دفاعاً , وهذا أيضا قد أشار إليه دور كايم عندما تحدث عن العقل الجمعي .

• يقول الأستاذ محمد عابد الجابري : إن الفرد في هذه الحالة يفقد شخصيته بل فرديته , ويتقمص شخصية العصبة .ولكن هذا الشعور لا يبدو واضحاً , ولا يصبح عورا فاعلا , إلا إذا كان هناك خطر خارجي يهدد وجود العصبة أو ينال من كيانها المادي أو المعنوي . إن هذا (الوعي العصبي) الذي يشد أفراد العصبة بعضهم إلى بعض ويجعل منهم كائنا واحدا تفنى فيه ذوات الأفراد , هو العصبية بالذات .فالعصبية إذا: رابطة اجتماعية –سيكولوجية, شعورية ولا شعورية معاً, تربط أفراد جماعة ما, قائمة على القرابة ربطا مستمرا يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك الأفراد: كأفراد أو كجماعة. ومن مميزات هذه الرابطة العصبية هي أنها ليست بين فرد وآخر داخل العصبة, بل هي بالدرجة الأولى بين الفرد والمجموعة. إن الفرد هنا يذوب في العصبة عندما تتعرض لخطر ما . كما أن العصبة نفسها تتقمص الفرد عندما يصاب بأذى أو يلحقه مكروه, وهكذا فالفرد يتعصب لعصبته باعتبارها هي إياه، وبالمثل فالعصبة عندما تهب لمناصرة هذا الفرد, إنما تتعصب في الحقيقة لنفسها, وذلك باعتبار إن هذا الفرد هو هي.أ-هـ

• ويرى ابن خلدون في الدولة ضرورة اجتماعية ذلك لاحتياج الناس إلى الوازع الذي يكبح ميل الإنسان الطبيعي إلى العنف (المقدمة). والفكرة المحورية عند صاحب المقدمة هي "العصبية" وهي ما فسرها البعض على أنها الشعور الجماعي ، غير أن ثمة تعريفات أكثر عمقا كتعريف لاكو ست الذي يرى أن العصبية "هي حقيقة اجتماعية _ سياسية غاية في التعقيد، ذات أبعاد نفسانية مهمة ". ومن التعريفات الأخرى تعريف الجابري الذي يرى بأنها "رابطة اجتماعية _ سيكولوجية شعورية ولا شعورية تربط بين أفراد جماعة ما قائمة على القرابة المادية أو المعنوية ربطا مستمرا يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك الأفراد كأفراد أو كجماعة " (الجابري 1992، 297).

• إن نظرية ابن خلدون ترى أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك ، وهو ما لا يتحقق إلا بالالتحام بين أفراد مجموعة تشترك في نفس العصبية (ابن خلدون ،المقدمة).




• أسس الدولة عند ابن خلدون:
يرى ابن خلدون أنَّ الدولة لا تقوم إلاَّ على أساسيْن

أولهما : الشوكة والعصبية المعبر عنهما بالجند.

وثانيهما : المال الذي هو قوام أولئك الجند ، وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال.


فالدولة في أولها تكون بدوية ،حيث يكون الإنفاق معقولاً ،ولذا يكون هناك إمعان في الجباية والإسراف ، وإذا عظم المال انتشر الترف الذي يؤدي إلى انهيار الدولة ، فإنَّ نفقات السلطان وأصحاب الدولة تتضاعف ، وينتشر الإسراف بين الرعايا ، وتمتد أيديهم إلى أموال الدولة من جهة ، ومن جهة أخرى يبدأ الجند في التجاسر على السلطة ، فيضطر السلطان إلى مضاعفة الضرائب ، فيختل اقتصاد البلاد ، ولكن الجباية مقدارها محدود، كما لا يستطيع رفع الضرائب إلى ما لا نهاية ،ولذا يضطر إلى الاستغناء عن عدد من الجند حتى يوفر مرتباتهم ،فتضعف حمايته، وتتجاسر عليه الدول المجاورة أو القبائل التي ما تزال محتفظة بعصبيتها.


• الملك والعصبية

1. العصبية تؤدي إلى المنعة ، والغلبة تسمو إلى الرياسة ، والرياسة تبعث على التطلع إلى الملك، ومن ثم فإن الملك لا يقوم أصلاً بغير العصبية ، ويظل قوياً بقوتها ، ويضعف بضعها.

2. ويرى أن الاجتماع يدعو للعصبية وفي نظريته عن العصبية يقول أنها نعرة الإنسان على من ينتسب إليه أن يناله ضيم فهي أساس التعاون والشوكة والرياسة تكون لأصحاب العصبية القوية والعصبية هي أساس الملك أيضا.

3. والدعوة الدينية تساعد في نماء قوة الدولة لأن الدين يقضي على صفات الأثرة والتنافس والتحاسد ويوحد الجهود. إن المجتمعات التاريخية التي يفكر ابن خلدون فيها مجتمعات لعبت الدعوة الدينية فيها معظم الأحيان دورا أساسيا فهو يقول: "إن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها، وذلك لان الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق".


4. وقد تحدث عن هذا الفيلسوف الألماني هيغل على الأثر الحاسم للعصبية أو «البنية البطريكية» ما يسميها هيغل في إقامة الدولة.وكما إن ابن خلدون يرى أن الدين ذو أثر كبير في توسيع الدولة وتحولها إلى دولة كبرى أو إمبراطورية، ومع التنبيه في الوقت نفسه على أن «الدعوة الدينية من غير العصبية (الملك، الدولة) لا تتم». أما قيام الدولة عند هيغل فهو يتوقف على الدين، فهي تزدهر بازدهاره وتندحر باندحاره
وينظر كل من ابن خلدون وهيغل إلى الدولة على أنها كائن حيّ يولد، ثم يشب ويبلغ طور الكهولة الذي تعقبه مرحلة الهرم.
5. أن صياغة هيغل لأطوار حياة الدولة تكاد تكون خلدونية تماماً فالدولة تمر بأربع مراحل:

1. طور ولادة الدولة وانطلاقها.

2. طور الشباب والرجولة الذي يتحقق فيه الهيمنة والازدهار وكل الانتصارات الأخرى.

3. طور الكهولة والهرم والذي تفقد فيه الدولة حيويتها.

4. طور موت الدولة وانقراضها.

ويتحدث ابن خلدون عن أطوار الدولة ومراحل تكونها ونموها وسيطرتها واستبدادها، ثم تأتي مرحلة يسميها مرحلة الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك وتخليد الآثار وبعد الصيت، فيستفرغ صاحب الدولة وسعه في الجباية -أي جمع الأموال- وتشييد المباني، وإجازة الوفود، والمباهاة بما لديه من قوات. ثم تأتي مرحلة -أو طور- الإسراف والتبذير، ويكون صاحب الدولة متلفا لما جمع في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه، مستفسدا لكبار الأولياء من قومه .. وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض .. ثم تنتقل الرئاسة والملك إلى عصبية أخرى لها مقومات انتزاع الملك.



ثالثاً : محاولة الإجابة على التساؤل التالي :

هل ما تبناه ابن خلدون ينطبق على مجتمعاتنا ؟ وهل بالإمكان الاستفادة منه ؟

في نظري انه يمكن الاستفادة والإفادة منها بشكل مباشر وغير مباشر , ولكن ليس بالضرورة أن يتناسب ما قال به ابن خلدون مع مجتمعاتنا فالأمور نسبية إلى حد كبير فما يصلح لزمان ومكان معينين لا يصلح لغيره . ومع هذا لا يمكن أن نقبل كل ما جاء به ابن خلدون ولا يمكن أيضا أن نصادر جميع أفكاره .ويضل السؤال السابق باب مفتوح للجميع في البحث والتنظير .

المراجع



1. مقدمة ابن خلدون .

2. فكر ابن خلدون الحداثة والحضارة والهيمنة , جمال شعبان وآخرون.

3. فكر ابن خلدون العصبية والدولة , محمد الجابري .

4. السياسة تادين عند ابن خلدون ,جورج لابيكا .

5. مجلة المنار , 1424هـ .







  رد مع اقتباس
قديم 06-05-2008, 10:15 PM   رقم المشاركة : 4
فيصل المحارب
محاضر بجامعة الإمام قسم الاجتماع وإداري سابق
 
الصورة الرمزية فيصل المحارب








My SMS :

 

آخـر مواضيعي
افتراضي

استاذي الكريم مساعد الطيار أشكرك على مداخلتك الجميلة







  رد مع اقتباس
قديم 06-05-2008, 10:16 PM   رقم المشاركة : 5
فيصل المحارب
محاضر بجامعة الإمام قسم الاجتماع وإداري سابق
 
الصورة الرمزية فيصل المحارب








My SMS :

 

آخـر مواضيعي
افتراضي

اخي وزميلي أحمد آل مقبل إضافة جميلة ومميزة على الموضوع وهذا ليس بمستغرب من شخص بمستواك العلمي .

اشكرك جزيلاً .







  رد مع اقتباس
قديم 26-05-2008, 10:30 AM   رقم المشاركة : 6
ريـــــــانـه
عضــو مبـدع
 
الصورة الرمزية ريـــــــانـه







My SMS :

 

آخـر مواضيعي
افتراضي

::

كـل الشكـر لك أستـاذ / فيصـل

استمتعت بما قـرأت

الله ينفع بك وبتعليمك

::


ريـانه






  رد مع اقتباس
قديم 26-05-2008, 12:14 PM   رقم المشاركة : 7
فيصل المحارب
محاضر بجامعة الإمام قسم الاجتماع وإداري سابق
 
الصورة الرمزية فيصل المحارب








My SMS :

 

آخـر مواضيعي
افتراضي

اشكرك اختي ريانه على هذا الاطراء الجميل







  رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

العصبية عند ابن خلدون

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أهمية ابن خلدون عبدالله العقلاء ملتقى بن خلدون لعلم الإجتماع 6 17-05-2012 11:18 PM
سعودي يخترع قلما مخصصا للأطفال وللمكفوفين وللمصابين بالأمراض العصبية أبو عبد الله ملتقى ذوي الاحتياجات الخاصة 10 08-09-2008 02:41 AM
>::< التعاقب الدوري عند ابن خلدون >::< ثمال ملتقى بن خلدون لعلم الإجتماع 2 17-07-2008 11:33 AM
التاريخ عند بن خلدون أبو منصور ملتقى بن خلدون لعلم الإجتماع 4 06-07-2008 09:07 PM
نبذة بسيطة عن ابن خلدون وليد العبدالرزاق ملتقى بن خلدون لعلم الإجتماع 6 22-05-2008 10:39 PM


الساعة الآن 03:28 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.6; Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd

الموضوعات المنشورة في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع انما تعبر عن رأي كاتبها فقط
 

:: ديزاين فور يو للتصميم الإحترافي ::